أرسطو

5

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

الرذائل الكثيرة التي تتراءى في المنظر المحزن لجمعياتنا الحاضرة . يقول في نفسه إن العامة لا تصغى اليه ولا تتبعه لا في هذا الزمن ولا في زمن الفلسفة اليونانية ، فيحذو حذو أرسطو ويميل إلى الصمت بحجة أن صوته غير مسموع . وإنه في هذا المعترك القائم بين الشهوات والمنافع والرذائل والجنايات ، لا يستطيع أن يسمع نصائحه مهما كان فيها من نفع ومن سلام ، ولكن يظهر أن الأمر يجب أن يكون - على ضدّ ذلك - سببا أدعى لأن يتكلم لا لأن يصمت ، إذ كلما كانت الجمعية فاسدة وكان الجمهور جاهلا رذيلا ، كانت محاولة شفائه من أمراضه أكثر لزوما ما دام هذا الشفاء هو الغرض الحقيقي لعلم الأخلاق . غير أن الفلسفة قبل أن تدخل إلى هذا السبيل حيث تصادف من الخذلان ومن الصعوبات التي لا سبيل إلى التغلب عليها ، يجب أن تقول إنها إن لم تستطع أن تصلح من الأجيال ، فإنها تستطيع دائما أن تنجو بشرفها الخاص موفورا . فخير لها في وسط الخذلان العام أن تحتفظ بشجاعتها وباعتقادها المتين الذي لا يتزعزع ، فإنه يوجد دائما في هذا الفساد العام بعض نفوس تفهمها وتحتفظ بوديعتها القدسية ، وحسبها ذلك . ان الفيلسوف حتى متى اضطر إلى التزام عزلته ، لا تزال تقوّيه فكرة أنه بعدم خذلانه نفسه ، يساعد في إقالة عصره من عثرته وانه لو نبذ الناس جميعا الفضيلة ، لكان واجبه الأكبر أن يعرف هو لها حقها ويبقى لها مخلصا . ومن المحتمل أن ذلك هو ما ناجى أرسطو به نفسه ، لأن يأسه ما منعه أن يكتب كتابه العجيب ، فواجب علينا أن نفكر ونعمل على نحوه هذا . وكلما تضاءلت مناسبة الظروف لعلم الأخلاق ، كان واجبنا في نصرته أعظم . فإذا حيل بيننا وبين النجاح ، كان ذلك على الأقل احتجاجا لا يفوت خلفنا أمره والاعتداد به إذا